لا شك أنّ كل فرد منّا قد مرّ في مرحلة من مراحل حياته بتجربة فقدان صديق أو قريب عزيز أو أي شخص آخر كان يعز عليه أو مقرّباً منه.
تذكّر!.. كم حزنت وتألمت عندما فقدت شخصاً قريباً منك؟ ألم يجعلك فقده كئيباً حزيناً وسلبك راحة البال؟ أما ذرفت الدموع من أجله ليلاً ونهاراً؟ أو ربّما لطمت نفسك ألماً وحزناً عليه؟ وقد أفقدك فراقه شهية الطعام والشراب.
أما أقمت العزّاء من أجله ثم أحييت ذكرى رحيله في كل عام؟ أما لبست السّواد في عزائه؟ ألم تضع لافتةً سوداء على بيتك ليعلم النّاس أنّك في عزاء؟ ألم توزع الطّعام على روحه في ذكرى رحيله؟ ألم تستمر في إقامة مجالس العزاء في ذكرى رحيله من كل عام؟
إنّ من الممكن استيعاب مدى الألم الكبير الذي يخلفه هذا المصاب، ومع أنّ ردودَ أفعالنا تكون طبيعيةٌ في مثل هذه الظروف، ولكننا نُسأل أحياناً لماذا نقوم بهذه الممارسات؟
فنجيب: لقوة ما يربطنا بهذا الفقيد الذي هو إما أحد أبوينا أو صديق مقرب منّا أو قريب... الخ. ونُسألُ ثانيةً: لم نقوم بهذا الشيء؟ فنجيب للعلاقة المتينة التي تربطنا بهم، أو لتضحياتهم الكبيرة من أجلنا ولما نشعر به من خسارة كبيرة بعد رحيلهم.
فلربّما أنّهم قاموا بتربيتنا ورعايتنا عندما كنّا صغاراً، أو أنّهم علّمونا أشياءً مهمة في حياتنا.
فمن غير الممكن إنكار أنّ أحباءنا يبقون جزءاً هاماً من حياتنا، ولهم كل الحق علينا وهذا يفسر جزءاً مما نقوم به من أجل تخليد ذكراهم، بتعليق صورهم على جدران بيوتنا مثلاً، أو بالاحتفاظ بها أو تعليقها كقلادة على أعناقنا.
إذن وكما أننا نقدّر أهمية فقد شخصٍ عزيز على قلوبنا فمن الطبيعي أنّ نتذكر ونجل ونقدّر الشخص الذي لم يساعد قلةً من النّاس فحسب، بل ضحى بكل ما يملك من غال ونفيس من أجل الإنسانية جمعاء.
أصغِ لقلبك للحظات!! هل يعقل أن إقامة العزاء في ذكرى من بكته الأنبياء من آدم (عليه السّلام) وإلى نبينا الأكرم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) عملٌ غير صحيح؟!
إنّ كلّ الأديان التي جاءت قبل الإسلام أولت اهتماماً خاصاً لإحياء ذكرى أنبيائها وقديسيها، وهذا موضوعٌ واسع والخوض فيه يأخذُ وقتاً طويلاً، لكنني أسألكم كأتباع للدّين الإسلامي، الدّين الأكمل من بين الأديان، أليس المتوقع منّا أن نقوم بدورنا على نحوٍ أفضل ممّا قام به أتباع الديانات السابقة؟
ألا يكون من الجفاء أن ننسى الشخص الذي ضحى بنفسه لتصلنا كل هذه القيم الإلهية التي ننعم بها اليوم؟
أليس حريٌ بنا أن نحيي ذكرى الشخص الرءوف العطوف الذي لم يؤذِ عدوه فضلاً أن يؤذي صديقه؟
أتدرون عمّن نتحدث؟
إنّنا نتحدث عن الشخص الذي أعطى حصته من الماء ليروي بها عطش أعدائه، بل وخيولهم أيضاً! ولكنهم بم كافؤوه جزاء إحسانه إليهم؟
إنّهم لم يكتفوا بمنع قطرات الماء من أن تصل إلى فم رضيعه ذي الستة أشهر لتطفي شيئاً من نار عطشه فحسب!!، بل إنّهم رموا هذا الرضيع الذي بكى من غير دموع بعد أن جفت دموعه من شدة العطش بسهم فقتلوه مظلوما محتسباً على صدر أبيه المظلوم!
هل عرفتم عن من نتكلم؟ إنّه ليس سوى الحسين بن علي بن أبي طالب.
روي عن أهل البيت (عليهم السّلام): أنّه ما من مصيبة وقعت في التاريخ أكبر من مصيبة شهادة الإمام الحسين (عليه السّلام) وبالتالي لا توجد مأساة وخسارة على مر التاريخ يمكن أن تقارن بشهادة الإمام الحسين (عليه السّلام)، ولا يوجد أحد أعاننا مادياً ومعنوياً وعلمنا ما ينفعنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا سوى أهل البيت (عليهم السّلام) لذلك كان فقدهم أكبر خسارة لنا.
ولكي نصل إلى نتيجة واضحة ونطمئنكم بشأن مشروعية إقامة الشعائر الحسينية وإحياء ذكرى شهادة الإمام الحسين (عليه السّلام) نقدّم لكم بعضاً من فتاوى المراجع العظام والعلماء الكرام وآرائهم حول هذه المسائل، وهم بلا شك أكثر علماً منا بأحكام هذه الشعائر.
ومن بين ما نقدمه لكم هي فتاوى كبار المراجع المشهود لهم بالعلم والتّقوى، لذلك من الواجب علينا إذا ما قصدنا إحراز ديننا وإكمال إيماننا الامتثال لما حكم به هؤلاء المراجع والعلماء الذين هم أكثر علماً واطلاعاً منّا.
"اللهم ارزقني شفاعة الحسين عليه السّلام يوم الورود"
أتمنى لكم جميعاً كل التوفيق
خادم خَدَمَة الإمام الحسين عليه السّلام
السيّد مصطفى الفصيحي